نصر حامد أبو زيد

54

الاتجاه العقلي في التفسير

عقلت البيان ثم جحدت كبرا وعنادا لطلب الدنيا » 33 . « وفرقة طغت ، وأعجبت ، وقلّدت ، فعميت عن الحق أن تتبينه ثم تقربه ، ثم تجحده كبرا وطلب دنيا بعد عقلها للبيان فظنت أنها على حق ودين وهي على باطل وشر وضلال . وفرقة رابعة عقلت قدر اللّه عز وجل في تدبيره وتفرّده بالصنع ، وعرفت قدر الايمان في النجاة بالتمسك به ، وقدر العقاب في ضرره في مجانبة الايمان ، فلم يجحدوا كبرا ولا أنفة ولا طلب دنيا لعقلها أن عاجل الدنيا يفنى ، وعذاب الآخرة لا يفنى . فأقرّت وآمنت ، ولم تعقل عظيم قدر اللّه في هيبته ، وجلاله ، وعظيم قدر ثوابه وعقابه في اتيان معاصيه ، والقيام بفرائضه ، فعصت ، وضيّعت ، وغفلت ، ونسيت ، إلّا أنها علمت عظيم قدر الايمان في النجاة ، وعظيم ضرر الكفر ، قد عقلته عن اللّه تعالى فهي قائمة به ، دائمة عليه » 34 . ورغم أن الفارق بين هذه الفرق الأربع يكمن في السلوك العملي المترتب على المعرفة ، فإن الحارث يعتبره فارقا في الفهم والمعرفة والعقل . ولا ينبغي أن ننسى في هذا الصدد أن الحارث صوفي يعطي للعمل والسلوك الديني والمجاهدة الروحية دورا خطيرا في الحكم على البشر ، ومن ثمّ لا يفصل بين المعرفة والسلوك العملي ، ويعتبر التهاون في العمل نقصا في المعرفة الحقّة كما يفهمها المتصوفة . ويكاد الحارث يقترب مما قاله الجاحظ من أن المعرفة حاصلة لكل البشر لولا أنهم جحدوا وعاندوا طلبا للدنيا ، أو تقليدا وجريا وراء ما ألفوه . والفارق بينه وبين الجاحظ أنه يرى أن اللّه « قد يخصّ بالتنبيه والتوفيق من يشاء من عباده ، ويختصّ بجواره من أحبّ من خلقه » 35 وبالتالي يردّ التهاون في العمل والكفر وكل معاصي الانسان إلى إرادة اللّه الشاملة . يعدّ الباقلاني ( ت 403 ه ) أول متكلم أفرد في مؤلفاته مقدمات أسهب فيها في الحديث عن المعرفة ووسائلها وشروطها . وإذا كان الباقلاني يعدّ من مؤصلي الفكر الأشعري ، فإنه ليس مجرد مواصل لحمل تراث الأشاعرة المتقدمين عليه ، بل قد تمّ على يديه توضيح بعض النقط وتحديد بعض المفهومات مما أدّى إلى تعديل مذهب الأشعري من بعض الوجوه وإلى تقريبه من رأي المعتزلة » 36 . والنقطة التي تهمنا في هذا المجال هي تعديله لمذهب الأشعري في الكسب والقدرة الحادثة للعبد . فقد ذهب الأشعري إلى أن الفعل مكتسب للعبد بالقدرة الحادثة التي يخلقها اللّه فيه مقارنة للفعل ، ولم يجعل لهذه القدرة الحادثة أي فعالية في الفعل نفسه « غير أن اللّه تعالى أجرى سنته بأن يحقق عقيب القدرة الحادثة ، أو تحتها ، أو معها ، الفعل الحاصل إذا أراده العبد وتجرّد له ، ويسمى هذا الفعل كسبا ، فيكون خلقا من اللّه تعالى ابداعا واحداثا ، وكسبا من العبد : حصولا تحت القدرة الحادثة » 37 . وقد ذهب الباقلاني - متأثرا في ذلك بالمعتزلة - إلى اثبات تأثير للقدرة الحادثة في